فخر الدين الرازي

259

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

بل يكون سهلا يسيرا ، والفرق بين الوجهين أن في الأول إضمارا وقع بعد قوله : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وفي الثاني قبله : المسألة الثالثة : إنما قال : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ولم يقل : ولتكملوا الشهر ، لأنه لما قال : ولتكملوا العدة دخل تحته عدة أيام الشهر وأيام القضاء لتقدم ذكرهما جميعا ولذلك يجب أن يكون عدد القضاء مثلا لعدد المقضي ، ولو قال تعالى : ولتكملوا الشهر لدل ذلك على حكم الأداء فقط ولم يدخل حكم القضاء . أما قوله : وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ ففيه وجهان الأول : أن المراد منه التكبير ليلة الفطر قال ابن عباس : حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا ، وقال الشافعي : وأحب إظهار التكبير في العيدين ، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد ، وقال أبو حنيفة : يكره ذلك غداة الفطر ، واحتج الشافعي رحمة اللّه بقوله تعالى : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وقال : معناه ولتكملوا عدة شهر رمضان لتكبروا اللّه عند انقضائه على ما هداكم إلى هذه الطاعة ، ثم يتفرع على هذا ثلاث مسائل : إحداها : اختلف قوله في أن أي العيدين أوكد في التكبير ؟ فقال في القديم : ليلة النحر أوكد لإجماع السلف عليها ، وقال في الجديد : ليلة الفطر أوكد لورود النص / فيها وثانيها : أن وقت التكبير بعد غروب الشمس من ليلة الفطر ، وقال مالك : لا يكبر في ليلة الفطر ولكنه يكبر في يومه ، وروي هذا عن أحمد ، وقال إسحاق : إذا غدا إلى المصلى حجة الشافعي أن قوله تعالى : وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ يدل على أن الأمر بهذا يوجب أن يكون التكبير وقع معللا بحصول هذه الهداية ، لكن بعد غروب الشمس تحصل هذه الهداية ، فوجب أن يكون التكبير من ذلك الوقت وثالثها : مذهب الشافعي أن وقت هذا التكبير ممتد إلى أن يحرم الإمام بالصلاة ، وقيل فيه قولان آخران أحدهما : إلى خروج الإمام والثاني : إلى انصراف الإمام والصحيح هو الأول ، وقال أبو حنيفة : إذا بلغ إلى أدنى المصلى ترك التكبير . القول الثاني : في تفسير قوله : وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ أن المراد منه التعظيم للّه شكرا على ما وفق على هذه الطاعة ، واعلم أن تمام هذا التكبير إنما يكون بالقول والاعتقاد والعمل أما القول : فالإقرار بصفاته العلي ، وأسمائه الحسنى ، وتنزيهه عما لا يليق به من ند وصاحبة وولد وشبه بالخلق ، وكل ذلك لا يصح إلا بعد صحة الاعتقاد بالقلب وأما العمل : فالتعبد بالطاعات من الصلاة والصيام ، والحج واعلم أن القول الأول أقرب ، وذلك لأن تكبير اللّه تعالى بهذا التفسير واجب في جميع الأوقات ، ومع كل الطاعات فتخصيص هذه الطاعة بهذا التكبير يوجب أن يكون هذا التكبير له خصوصية زائدة على التكبير الواجب في كل الأوقات . أما قوله تعالى : عَلى ما هَداكُمْ فإنه يتضمن الإنعام العظيم في الدنيا بالأدلة والتعريف والتوفيق والعصمة ، وعند أصحابنا بخلق الطاعة . وأما قوله تعالى : وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ففيه بحثان أحدهما : أن كلمة « لعل » للترجي ، والترجي لا يجوز في حق اللّه والثاني : البحث عن حقيقة الشكر ، وهذان بحثان قد مر تقريرهما . بقي هاهنا بحث ثالث ، وهو أنه ما الفائدة في ذكر هذا اللفظ في هذا الموضع فنقول : إن اللّه تعالى لما أمر بالتكبير وهو لا يتم إلا بأن يعلم العبد جلال اللّه وكبريائه وعزته وعظمته ، وكونه أكبر من أن تصل إليه عقول